بسم الله لرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين محمد وآله الطاهرين واللعن على أعدائهم أبد الآبدين.
إن من الأمور والإشكالات المطروحة هي مسألة علم الإمام المعصوم بالغيب وأنه عالم بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، هذا من جهة ومن جهة أخرى ان الإمام مع ذلك فإنه يتعامل مع القضايا بالظواهر وبالاسباب الطبيعية ولا يتعامل معها وفق علمه الغيبي بها وبمستقبلها وما تؤول إليه، فمع علم الإمام المسبق بهذا الأمر إلا أنه يتعامل معه بالمقدمات الظاهرية وبأسبابها, ولا يتعامل معه بما هو في علمه الغيبي ويتصرف بناءً عليه ولو كان الأمر حتمياً. كتعامل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الحكم بن أمية وإبنه الصغير مروان, وكتعامل أميرالمؤمنين (عليه السلام) مع إبن ملجم حتى قبيل ضربه بلحظات, وتعامل الإمام الحسن (عليه السلام) مع زوجته جعده... الخ
الإشكال: لماذا صالح الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية مع علمه بأن معاوية لن يلتزم بالصلح وسوف يورث الخلافة من بعده لإبنه الفاجر يزيد الذي عاث في الأرض فسادا وأهلك الحرث والنسل؟
ألا يستلزم هذا الأمر قدحا للإمام (عليه السلام)؟ فمع علمه بتلك الحوادث يقوم بالمصالحة.
وبشكل عام لنا أن نتساءل, لماذا لا يقوم الإمام المعصوم المطّلع على الغيب بـ"فعل إستباقي" لعلمه أن زيداً من الناس سيقوم بعمل سيستحق من أجله القتل مثلاً؟
أليست هذه حجة قوية لمن يقولون أن الأئمة غير مطلعين على غيب ما كان وما يكون الى يوم القيامه؟ لأننا لو إلتزمنا بهذا لقدحنا في أهل بيت العصمة ونحن لا نرضى لهم هذا, حتى لو كانت الروايات التي تتحدث عن علمهم الغيبي متواترة فيجب تأويلها بغير هذا الوجه.
ستعرض لهذه المسألة مجردة من ظروفها, ولو أن المسألة متشعبة اكثر من ذلك.
الجواب نقضاً وحلاً:
نقضاً:
أ- لقد عَلِم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بما سيفعله الحكم بن العاص وأبنه مروان من فتن وبلايا ومصائب للإسلام والمسلمين بل حتى أنه لعن آل مروان في صلبه وحذر المسلمين منهم, لكنه لم يقتلهم أو يحاسبهم على ما في علمه بما سيفعلون بالمستقبل. فتحذير النبي الأعظم للمسلمين من آل الحكم ومروان وآل الأمية الشجرة الملعونة في القرآن له مصادر مستفيضة في كتب الحديث والتفسير والتاريخ(1).
ب- لقد علم الله تعالى منذ الأزل بما سيفعله إبليس من إضلال وإغواء للبشر عن صراطه المستقيم إلا أن الله تعالى أنظره إلى يوم الوقت المعلوم ولم يتصرف بناء على ما هو في علمه الأزلي سبحانه فيُهلك إبليس لكي يريح الناس من إضلاله.
(قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39)إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)(2).
الجواب حلاً:
في البداية يجب التعرف على مقام الإمامة ماذا يعني أن يكون المعصوم خليفة الله في أرضه, وماذا يمثل؟
جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) في بيانه لمقام الإمامة قوله: (نحن حجة الله في عباده وشهداؤه على خلقه وامناؤه على وحيه وخزانه على علمه ووجهه الذي يؤتى منه وعينه في بريته ولسانه الناطق وبابه الذي يدل عليه نحن العالمون بأمره والداعون إلى سبيله، بنا عرف الله وبنا عبد الله، نحن الأدلاء على الله، ولولانا ما عُبد الله)(3).
وسوف نقوم بالنظر لفعل الإمام الحسن (عليه السلام) من عدة جهات لنتعرّف على ما قام به من أعمال عظيمة حفظ بها الأيمان والمؤمنين, لكن للأسف لم يفهما أكثر الناس الذين كانوا حول الإمام (عليه السلام) وشنعوا عليه فعله, مما ساء الإمام المجتبى (عليه السلام) كثيراً(4).
أولاً: من جهة إمام الضلال والذي هو معاوية في هذه الحادثة: لا يمكن للإمام الحسن (عليه السلام) لمجرد علمه بما سيفعله معاوية بأن يقوم "بفعل إستباقي"(5), وذلك لسببين:
1- عدم تمامية الحجة, فلو قام الإمام (عليه السلام) بهذا العمل للزم نقصان الحجة يوم الحساب فلا يتحقق قول البارئ جل وعلا: (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) في معاوية وهذا يسلتزم الظلم على الله لمن به يُعرف الله وهذا محال.
للبيان أكثر نقول: يقول الله تعالى في محكم كتابه: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20)) فصلت, ويقول تعالى مخاطبا نبيه في مجال الشهادة على الخلق في كل الأمم: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا(41))النساء, فنعلم أن الله يحتج على عباده بما عــمــلــوا في دار الدنيا حين يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم والناس الذين ظلموهم بما عملوا وكذلك يشهد عليهم إمام زمانهم بما عملوا لا بما هو في سابق علمه.
2- العبث في الخلق , فلو قام الإمام (عليه السلام) بالتصرف إستباقا بما أطلعه الله من علم الغيب لوجب العبث من إيجاد الخلق, لأن الله سبحانه عالم منذ الأزل بما سيختاره كل عبد من عباده من خير أو شر (مَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) ويقول سبحانه: (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) فهو أوجد هذا العالم للإبتلاء: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)) الملك.
ومن ذلك يتبيّن أن لو قام الإمام بفعل إستباقي لظل الناس عن معرفة الله وهذا محال أيضا من إمام طهّره الله من الرجس تطهيراً.
ثانياً: من جهة الناس الداخلين بهذه الفتنة: لا خلاف في الفتنة التي أحدثها معاوية في المسلمين في زمانه وزمان يزيد إبنه الذي أورثه الخلافة فجاهد كما هو حال أبيه في القضاء على الإسلام ومحاولته في إذلال الناس وإستعبادهم بإسم الدين من خلال وضع أحاديث توجب إتباع الإمام الفاجر وتمجيده, وكان لأهل البيت (عليه السلام) موقف حازم في تكذيب هؤلاء فحوربوا ووضعت أحاديث تقدح فيهم, تارة بالإغراء بزينة الدنيا وتارة أخرى بالإرهاب.
فمعاوية فتنة على الناس كان لابد أن يدخلوا فيها ليميز الله الخبيث من الطيب, والله سبحانه يطلع عباده المخلَصين على الفتن التي ستأتي على الناس لينذروهم ويحذروهم من أهلها, يقول الإمام الرضا (عليه السلام) في هذا المجال: (أما بعد فإن محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أمين الله في خلقه، فلما قبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كنا أهل البيت ورثته، فنحن أمناء الله في أرضه، عندنا علم المنايا والبلايا وأنساب العرب ومولد الاسلام، وما من فئة تضل مائة وتهدي مائة، إلا ونحن نعرف سائقها وقائدها وناعقها، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الايمان وحقيقة النفاق ...)(6).
وجاء في الفتن لإبن حماد, عن زر بن حبيش سمع عليا (رضى الله عنه) يقول: "سلوني فوالله لا تسألوني عن فئة خرجت تقاتل مائة أو تهدي مائة إلا أنباتكم بسائقها وقائدها وناعقها ما بينكم وبين قيام الساعة"(7).
فإذا أتبع الناس ريحانة رسول الله نجوا من الهلكه وتكاملوا في عالم الدنيا لإتباعهم الحق وصدهم عن الباطل وكانوا مصداقا للمجاهدين في قوله تعالى (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16))التوبة.
ثالثا: من جهة الإمام المجتبى (عليه السلام): فالإمام بإطّلاعه على الفتن وما يتمخض منها, يشخّص الطريق الأمثل والأكمل في حفظ الأيمان والمؤمنين فيكون مصداقا لقوله تعالى: (كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ), ولكي (لا يقول أحد لولا أرسلت الينا رسولا منذرا وأقمت لنا علما هاديا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى)(8).
فيكون الإمام هو سفينة النجاة لأهل الأيمان فمن ركبه نجا ومن تخلف عنه هلك وغرق , وهذا ما أشار عليه الأمام الحسن (عليه السلام) لأصحابه بقوله: (والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت)(9), وقوله أيضاً: (لولا ما أتيت لما ترك (يعني معاوية) من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل)(10).
فيظهر أن التعامل مع الأمور والفتن بظاهرها يكون أتم للحجة وأكمل للناس في سبيل الإبتلاء والمجاهده في سبيل الله, وتحذيره من الفتن وأهلها وبيان سبيل النجاة منها يكون عن طريق علمه الغيبي الذي أطلعه الله عليه لكي لا يتيه الناس عن صراط الله المستقيم وهذا لطف من الله للناس عن طريق إمام معصوم مبين.
والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
_______________
(1) راجع كنز العمال حديث (31054,31060,31065,31066,31067), ومجمع الزوائد 5/240-244, أسد الغابة 2/37, والسيره الحلبية 1/317, والإصابه 1/346, ومسند أحمد 2/347, وتطهير الجنان 63, والمستدرك 4/582 ح8484 وح8485, والمعجم الكبير للطبراني 12/336 ح13062 , ومختصر تاريخ دمشق 24/191, وأنساب الأشراف 5/126, و راجع أيضا أمهات التفاسير في آية "الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ" الإسراء 60 و آية "وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا" الأحقاف 17 وغيرها كثير.
(2) سورة الحجر.
(3) بحار الأنوار 26\260 عن توحيد الصدوق.
(4) راجع بحار الأنوار 44/19-25 و ص 60.
(5) (ونقصد هنا بالفعل الإستباقي عمل يستوجب قتل أو حد أو تعزير صاحبه, لا التحذير منهم ومن السير بطريق ظلالهم فهو من صميم عمل الأنبياء والأوصياء).
(6) بحار الأنوار 26\241 عن تفسير فرات الكوفي لآية النور.
(7) الفتن لإبن حماد 1/20 وقريب منه في ص 17.
(8) من دعاء الندبة.
(9) بحار الأنوار 44\19 عن الإحتجاج للطبرسي وكمال للدين للصدوق.
(10) بحار الأنوار 44\2 عن علل الشرائع للصدوق.
|